القرطبي
322
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخلفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ( 63 ) قوله تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) يريد : يصيح من بعيد : يا أبا القاسم ! بل عظموه كما قال في الحجرات : " إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله " ( 1 ) [ الحجرات : 3 ] الآية . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول الله ، في رفق ولين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهم . وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه . ابن عباس : لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة . ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) التسلل والانسلال : الخروج . واللواذ من الملاوذة ، وهي أن تستتر بشئ مخافة من يراك ، فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة . " لواذا " مصدر في موضع الحال ، أي متلاوذين ، أي يلوذ بعضهم ببعض ، ينضم إليه استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة ، حكاه النقاش ، وقد مضى القول فيه . وقيل : كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ عضهم ببعض . وقال الحسن : لواذا فرارا من الجهاد ، ومنه قول حسان : وقريش تجول ( 2 ) منا لواذا * لم تحافظ وخف منها الحلوم وصحت واوها لتحركها في لاوذ . يقال ، لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا . ولاذ يلوذ [ لوذا ] ولياذا ، انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال ، فإذا كان مصدر فاعل لم يعل ، لان فاعل لا يجوز أن يعل . قوله تعالى : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الامر على الوجوب . ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 328 . ( 2 ) في الأصول : " منكم " والتصويب عن الديوان ، والرواية فيه ، وقريش تلوذ منا لواذا * لم يقيموا وخفف منها الحلوم